التحرر وآليات السلطة

كتب أسامة غاوجي حول التحرر وآليات السلطة

“الحريّة مخيفة، إنها تعني المسؤوليّة“، فرويد.

إن هدف السلطة هو السلطة بحد ذاتها، أيًا كان شكل هذه السلطة وموضوع هيمنتها، وسواء أكان لهذه السلطة وجود ماديّ في الجغرافيا أو وجود رمزي في العقول والوجدان والخطابات، وإذا كنا اليوم في عصر ما بعد اليوتوبيات الكبرى -وبعد دروس فوكو- لا نحلم بـ”الحرية ” و”العدالة ” المطلقتين، ولا نتوقّع الخلاص التام من السلطة، التي ما تفتأ تتلوّن وتعيد تشكيل نفسها وتبعث نفسها في الشيء ونقيضه، فإننا -أخذًا بدرس أشعيا برلين- ما زلنا نحلم بعالم أكثر عدالة وأوسع حريّة، وإن قبلنا بالتوازنات المؤقتة التي تتأسس عليها هذه المنظومات الأخلاقية والقانونية في الاجتماع الإنساني.

وإذا كانت السلطة في العالم العربي أكثر فجاجة وأقل ذكاءً منها في الغرب، وأكثر اعتمادًا على آليات البطش والتنكيل، فإن السلطة تبقى بحاجة دومًا لما يبرر لها وجودها في الفضاء الرمزي، أي في قناعة الناس بها، وشعورهم بأن وجودها ضروري وحتمي، فآلة السلطة في العقول قبل كلّ شيء، ومن هنا كانت العلاقة بين الثقافة والسلطة علاقة جوهريّة وحيويّة، وكانت تعرية السلطة وألاعيبها ضرورة لا غنى عنها لأي مشروع تحرري، وموقفًا لصيقًا بتعريف المثّقف لنفسه.

إن أكثر ما يُثير قلق السلطة هو البديل المقنع لها، ومن هنا كانت لعبة السلطة الأكثر شراسة وخسّة هي الدفع بالبديل المرعب لها، بل إنّ وجود هذا الوجه المناقض والمرعب للسلطة يصبح إحدى أدوات السلطة في تبرير وجودها، ويصبح واحدًا من أدوات التعمية عن البدائل المقنعة للسلطة، بل ومبررًا للتنكيل بحملة هذه البدائل، وسنذكر ثلاثة أمثلة رئيسة لهذه الآلية السلطويّة:

في السلطة السياسية: ما أُريد له أن يكون نهاية للربيع العربي، لم يكن إلا حصرًا لخيارات الناس بين الأنظمة القديمة والتنظيمات الجهاديّة وحالة الفوضى القائمة، فالأسد لم يكن مغفّلًا بإخراج معتقلي السلفية الجهادية من سجن صيدنايا في بداية أحداث الثورة السوريّة، فالتحذير من صعود القوة الجهاديّة في سوريا كان أساس الخطاب الإعلامي الداخلي والخارجي للنظام السوري، وهو ذات الخطاب الإعلامي الذي تبناه الانقلاب العسكري في مصر، والذي خطّ بالإنجليزية على زاوية شاشة التلفزيون المصري الرسمي: “مصر تحارب الإرهاب”، وإذا كان الوحش الذي وفّرت له الأنظمة الشروط الموضوعية لقيامه، لترعب به شعوبها قد خرج عن قواعد اللعبة الآن، فإنّ ما لا ينبغي أن يُنسى هو أنّ القوى الديمقراطية والتحررية الإسلاميّة وغيرها، كانت تمثّل مصدر التهديد الحقيقي لمشروعية الأنظمة، والثالث الذي سعت هذه الأنظمة لرفعه، لتكتمل المعادلة التي تريدها السلطة: “نحن أو الفوضى”.

السلطة الدينية: ذات السيناريو يتكرر في الفضاء الرمزي للسلطة الدينية، بممثليه من الإسلام الرسمي إلى الإسلام السلفي، فأمام الدعوات التجديدية المختلفة التي تنطلق من فضاء الإسلام مصدرًا أصيلًا للمعرفة والعيش، وتحاول أن تقدّم حلولًا فلسفية ووجدانية وفقهيّة وكلاميّة مختلفة عن تلك التي تحرسها السلطة الدينية وتسمّيها بـ”الإسلام الصحيح”، أمام هذه الدعوات التجديدية تقوم المؤسسة الدينية إمّا باحتواء هذه الدعوات كتجديد في الفروع والهوامش، أو تقوم بتحويلها إلى وسائل للدفاع أمام الخصوم، فسعة المنظورات الفقهية تُستحضر دومًا في وجه خصوم المؤسسة الفقهيّة، إلا أنها لا تتحوّل إلى تغيير حقيقي في البنية النظريّة للمدرسة الشرعية بمختلف أشكالها. هذه الآليات التي تمارسها السلطة تدفع بالمواقف الأكثر تطرّفًا للبروز إلى السطح، وليس غريبًا أن نسب الإلحاد عربيًا هي الأعلى في السعوديّة؛ حيث يصبح الإنسان مضطّرًا لقبول منظومة فقهيّة وعقديّة بائسة أو الخروج التام عنها، إلا أنّ هذه الظواهر لا تشعر المؤسسة الدينية بأدنى قلق، بل إنها تتحوّل إلى مصدر لشرعيّة هذه المؤسسة، ووسيلة لإحراج أصحاب الدعوات التجديدية باعتبارهم الممهدين للانحلال الأخلاقي والانحراف الفكري!

السلطة الذكوريّة: إن الحديث الذي يدور حول مسألة المرأة داخل الفضاء الإسلامي العام، يدور في معظمه حول فساد منظومة حقوق المرأة الغربية، التي حوّلت المرأة إلى سلعة وحمّلتها شقوة الحياة.. إلخ، حتى تذوب المسألة الجوهريّة حول وضع المرأة المؤسف، في نقد الحلول الفاسدة ورفض الرؤية الغربية عن المرأة والمجتمع، إلا أنّ حجم الخطاب المنصرف إلى نقد البديل المرفوض لا يقابله خطاب يؤسس لأي منظومة حقوقيّة بديلة، وأمام التنظيرات الحقوقية والنسوية الإسلاميّة المختلفة تلجأ هذه السلطة الذكورية/الدينية إلى ذات الوسيلتين التي سبق ذكرهما في سياق الحديث عن السلطة الدينية؛ إما احتواء هذه التنظيرات كإصلاحات جزئية وأخلاق فاضلة في المعاملة، يمنّ بها الرجل على المرأة باعتبارها تفضّلًا منه لا حقوقًا لها، أو تستثمر السلطة هذه الخطابات كحجج أمام الخصوم وتكتفي بترديد الشعارات التي نعرفها جميعا بأنّ الإسلام كرّم المرأة وساواها وجوديًا بالرجل! آليات الهيمنة هذه تدفع بالحلول الأكثر راديكاليّة للبروز، لتتحوّل مرّة أخرى إلى واحدة من أدوات السلطة لتأكيد نفسها وإحراج النساء أنفسهنّ بأنّ هذا هو مآل التفكير بالخروج عن هذه المنظومة القويمة.

قد لا يكون العالم العربي بحاجة إلى فوكو عربي ليحلل بنية السلطة المعقّدة؛ إلا أن علينا أن نبقى حذرين دومًا من الوقوع في “هوى السلطة ” وألاعيب السلطة، وما نحن بحاجة إليه في اللحظة التي تعيد فيها السلطة ترتيب أوراقها ظانّة أنها تستريح مجددًا على عرشها بعد فورة سياسية وفكريّة اجتماعيّة مؤقتة، هو التأكيد على الخيار الثالث الذي تحاول السلطة دومًا رفعه، وألا ننساق وراء ألاعيب السلطة وخطاباتها لننخرط في نقد البدائل المتطرّفة التي نشأت بحكم استبداد السلطة وقمعها لأي بدائل أخرى، إن التحرر هو سيرورة مواجهة لا تنتهي بين “الحقيقة” و”السلطة “، والثقافة التي لا تعي درس الحرية لا يُعوّل عليها.

لينك المقال: http://altagreer.com/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AD%D8%B1%D8%B1-%D9%88%D8%A2%D9%84%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%B7%D8%A9-2/?utm_content=buffer5e72f&utm_medium=social&utm_source=twitter.com&utm_campaign=buffer

Advertisements

Share your thoughts

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s