البرولاكتين والأوكسيتوسين.. كيف تحصل الرضاعة؟ وما تأثيرها على الطفل والأم؟

كتب عبد الرحمن المحتسب لوقع فاي العلمي :

البرولاكتين والأوكسيتوسين.. كيف تحصل الرضاعة؟ وما تأثيرها على الطفل والأم؟

كتابة: عبد الرحمن المحتسب.
—————————————
إنزال الحليب يتمّ من خلال انقباض “الظهارة العضليّة” (Myoepithelium) الّتي تعمل كأقفاص حول حجيرات تخزين اللبن. عندما يبدأ الرضيع بمصّ الحليب من الضرع فهو بالإضافة لتحفيزه الميكانيكيّ للظهارة العضليّة فإنّها يحفّز الأعصاب في الثدي لتنقل الإشارة الحسّيّة بدورها للجهاز العصبيّ المركزيّ الّذي يحفّز إنتاج الأوكسيتوسين من تحت المهاد وإفرازه من فلقة الغدّة النخاميّة الخلفيّة. إنّ محفّزات إفراز الأوكسيتوسين عديدة وكلّها متعلّق بالعاطفة (Affection)، كسماع الطفل الرضيع أو النظر إليه أو مداعبته أو مجرّد التفكير به، أو حتى النظر إلى الكلاب المنزليّة والحيوانات الأليفة (خاصة القطط) وملاعبتهم، ورعاية النباتات المنزلية والعناية بهم أيضاً تحفّز ذلك، حتى أنه ينصح باتخاذ العناية بالنباتات كهواية لتحسين المزاج، وكذلك الحال مع الحيوانات المنزلية.
الأوكسيتوسين هو هرمون وسيال عصبيّ بروتينيّ له مستقبلات خاصة به على أسطح الخلايا الّتي يؤثّر عليها منتجاً عدة وظائف. يتم إفرازه -كما أسلفت سابقاً- في الدماغ من عصبونات “تحت المهاد” الّتي تمتدّ إلى فلقة الغدّة النخاميّة الخلفيّة حيث يُفرز هناك في الدم ليتم توصيله إلى الأنسجة المطلوبة. يقوم الأوكسيتوسين بشكل عام بتنظيم وظائف أخرى متعلقة بالأمومة، الشهوة الجنسية، وسلوكيات اجتماعيّة عديدة، وله أيضاً تأثير على انقباض العضلات الملساء كانقباض الرّحم عند المرأة الواضعة أثناء وبعد الولادة، ولذلك فإنّ الأمّهات الّلائي يرضعن أطفالهنّ مباشرة أو بعد فترة وجيزة من الولادة يشعرون بآلام انقباض في منطقة الرّحم لأنّ إفراز الأوكسيتوسين لدرّ الحليب لا يزال تأثيره فاعلاً على الرّحم، ولهذه الانقباضات فائدة عظيمة في تسريع عملية عودة الرّحم بعد الولادة إلى طبيعته! هذه أولى فوائد الرضاعة الطبيعيّة على الأمّ.
يتميّز الأوكسيتوسين أيضاً أنّه أول هرمون بروتينيّ يتمّ تصنيعه في جسم الإنسان (ربما لأنّنا لا نستطيع العيش بدون الحبّ!).
ينتقل الأوكسيتوسين المُفرز عبر الدم إلى غدد الثدي الحليبيّة حيث تتفاعل مع مستقبلات خاصّة على خلايا الظهارة العضليّة لتدفعها للانقباض ودفع الحليب من الحجيرات عبر القُنيّات والجيوب المخصّصة لذلك. يتمّ تسهيل مرور الحليب عبر هذه القنوات بخلايا ظهاريّة عضليّة محيطة بها تنقبض فتدفع الحليب نحو حلمة الثدي لتخرج إلى فم الرضيع.
قبل أن ننتقل للحديث عن هرمون الحليب “برولاكتين” لنقم بربط وظيفتيّ الهرمونين معًا: إفراز البرولاكتين يقوم بتحفيز أعصاب “تحت المهاد” لإنتاج الأوكسيتوسين والّذي بدوره يحفّز إفراز النخاميّة للبرولاكتين في “حلقة إرجاعيّة إيجابيّة نخاميّة عصبيّة” (positive neurohypophysial feedback loop)… المصطلح الأخير مصطلح علمي خاص بالباحثين المختصين فلا يهمنا كثيرا..
إذن، فعمليّة إدرار الحليب في الضرع معتمدة بشكل أساسيّ على الأوكسيتوسين، ولا تحصل بدونه. لكن، كيف يتمّ إنتاج الحليب في الأساس؟
في الحقيقة، إنّ عدّة هرمونات تناسليّة تساهم في عملية إدرار الحليب في مراحل الحمل الأخيرة وبداية الإرضاع، ومن هذه الهرمونات “الإستروجين” (Estrogen/ E)، “بروجيسترون” (Progesterone/ P)، “محفّز الإلبان المشيميّ” (Placental Lactogen/ PL) كلّ بقدر محدّد، إضافة إلى الهرمونين الأساسييّن “برولاكتين” و”أوكسيتوسين.” هناك أيضاً هرمونات أخرى مهمّة في تنظيم النشاط الاستقلابيّ استجابة للحاجة للغذاء والتعامل مع الضغط النفسيّ، مثل هرمون النّموّ (GH)، “الستيرويدات القشريّة” (Corticosteroids)، الهرمونات الدرقيّة، “الببتيد المرتبط بالهرمون جار الدرقيّ” (Parathyroid Hormone-related Peptide/ PTHrP)، الإنسولين، وهرمون “ليبتين” المسؤول عن استقلاب الدهون. حتّى إنّ غدد الثدي نفسها لديها القدرة على تصنيع الكثير من هذه الهرمونات. لكن، لنركّز هنا على هرمون الحليب “برولاكتين” لكونه العامل الرئيس في العمليّة.
لنا أن نستدلّ من اسم الهرمون على أنّه مسؤول عن إنتاج الحليب، وهذا صحيح، إلّا أنّ عمله لا يقتصر على ذلك فقط، إذ إنّ للبرولاكتين وظائف أخرى مهمّة في تهيئة دماغ الأمّ للولادة والإرضاع. بداية، علينا أن نعي أنّ الحمل والإرضاع هما حالتان “عضويّتان” مقترنتان بارتفاع في نسبة البرولاكين عند المرأة نتيجة إفرازه من الغدّة النّخاميّة والحفاظ على مستوياته من خلال تثبيط عمل “الدوبامين” المُفرز من “العصب الأحدوبيّ القمعيّ” (Tuberoinfundibular Neuron) (وهو أحد مراكز إنتاج الدوبامين في الدماغ…ل ا تكترثوا للاسم، أخذ منّي يومين لأتعلّم كيف ألفظه!). وأنّ الإبقاء على مستوى البرولاكتين منخفضاً في المرأة غير الوالدة يكون عن طريق الدوبامين من المصدر أعلاه. من العوامل المؤثرة في ذلك المداومة على إرضاع الوليد لأنّ تفاعله الحسّي مع ثدي الأمّ يحفّز الدماغ على تثبيط تأثير الدوبامين (دون التأثير على إنتاجيّته أو وظائفه الأخرى) وتحفيز إنتاج البرولاكتين. في الوقت الّذي يشتغل البرولاكتين فيه على الغدد الحليبيّة في الثدي فإنّه يصل أيضاً للدماغ إذ يلاحظ ارتفاع تركيزه في “السائل المخّيّ النخاعيّ” (CSF).
إضافة إلى ذلك، هناك ارتفاع ملحوظ في إنتاج مستقبلات برولاكتين على العديد من خلايا الدماغ في أنوية “تحت المهاد” عند الحامل والمرضع، ممّا يعني أنّ له أثراً واضحاً على وظائف “تحت المهاد” (خاصّة تلك المتعلّقة بالسلوك الأموميّ).
وهناك أيضاً دراسات عديدة تشير إلى تنظيم البرولاكتين لمناطق أخرى للدماغ تتعلق ايضاً بسلوك الأمومة مثل زيادة إفراز “الدوبامين” (وهو السيال العصبي المسؤول عن المتعة والرّضى، ومهمّ جداً في جعل الأمّ مُتعلّقة في طفلها أكثر)، زيادة الشهيّة، تثبيط النّشاط الجنسيّ وإفراز الهرمونات التناسليّة (من المعلوم أنّ الرضاعة من أفضل وسائل تنظيم النسل الطبيعيّة)، زيادة النّشاط الحركيّ، تخفيف الضغط النفسيّ، تحفيز النّوم العميق (REM sleep) وفي الوقت نفسه تنظيم فترات النّوم والاستيقاظ لتتناسب مع احتياجات الطفل، بالإضافة تحفيز إفراط الأوكسيتوسين، وغيرها.
التكيّف الّذي يحدث لدماغ الأمّ يجعل سلوكها ملائماً لتغذية ورعاية طفلها ولتتمكّن من إنتاج حليب ذي قيمة غذائيّة وافرة تلبّي احتياجات الطفل للنموّ، ولتطوّر الدماغ والإدراك ولزيادة المناعة لديه، كما أنّه ينظّم إنتاج الهرمونات لديها في هذه المرحلة الانتقاليّة بعد الحمل. لعلّ الثيمة العامّة للبرولاكتين هي التنظيم والتنسيق بين مجموعة كبيرة من السلوكيّات والنشاطات العصبيّة الصمّاويّة الضروريّة اثناء الحمل وخلال الإرضاع.
في الختام، علينا أن نعي أنّ نشاط هرموني البرولاكتين والأوكسيتوسين المسؤولين عن الأمومة أعقد من ذلك بكثير، إذ إنّ النشاط العصبيّ والهرمونيّ الّذي يحصل أثناء الحمل يهيّء الدّماغ والجسم للتعامل مع التغيّرات الّتي يحدثها هذان الهرمونان، فمجرد خروج الطفل -مثلاً- من القناة المهبليّة للأمّ يدفع بإنتاج الأوكسيتوسين والبدء بتهيئة جسم الأمّ للمرحلة التالية، فيزيد -مثلاً- من حساسيّة الشمّ عند الأم ليتعرّف دماغها على “فرمونات” الطفل (Phermones) فتتحفّز لمجرد وجوده بالقرب منها، ويزيد أيضاً من حساسيّة حلمة الثدي لتخرج الحليب بمجرد شروع الطفل بالرضاعة. كما أنّ المبايض تتهيء للتوقّف عن الإباضة، ولمن تلاحظ ذلك من الأمّهات، زيادة إفراز البرولاكتين والأوكسيتوسين تقلّل كثيراً من الشعور بالاكتئاب خلال فترة الحمل والرضاعة. كلّ هذا نتيجة الخطوات المتتالية من الولادة الطبيعيّة إلى إرضاع الطفل مباشرة بعد الولادة. ولذلك فإنّ الابتعاد عن الولادة الطبيعيّة والإرضاع الطبيعيّ لا يقتصر أثره السلبيّ على الطفل فقط بل على الأمّ أيضاً.

اللينك :

http://phiscienceclub.com/biology_medicine/815/

Advertisements

Share your thoughts

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s