لسنَ كغيرهنّ /8/ كاثرين جونسون، الحاسوب البشري

كاثرين جونسون: الحاسوب البشري

كاثرين جونسون

إعداد: شهد أنور
المقال الأصلي لصفحة فاي http://phiscienceclub.com/physics_cosmology/1519/

“الرياضيَّات، لطالما كانت هناك، جزءًا من عملي، إما أن تُخطئ أو تُصيب؛ هذا ما أحببته فيها.”

هكذا تبدأ كاثرين جونسون مقابلتها مع موقع مايكرز—Makers، فهي عالمة الفيزياء والرياضيَّات الأمريكيَّة  التي ساهمت حساباتها في الملاحة الكونيَّة بإيصال الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة للقمر في مهمتهم أبوللو 11 عندما كان يُطلق على من كان يقوم بمهمتها اسم “الحاسوب—computer” حرفيًّا.

تتطلب المهمات الفضائيَّة حسابات دقيقة جدًا لتسير بسلاسة، فحتى مع خبرة عمرها نصف قرن والكثير من التكنولوجيا الحديثة لا تزال هذه المهمة صعبة التنفيذ، وفي الأيام الأولى للرحلات الفضائيَّة كان هذا أصعب بكثير حيث كانت الكثير من هذه المهام تُحسّب باليد بشكل كامل من قبل أشخاص ككاثرين جونسون.

عُرفت كاثرين بدقتها المتناهية في عملها، وبالرغم من الوضع الاجتماعي الصعب للنساء في خمسينيَّات القرن الماضي استطاعت أن تصل لما كان قبلًا اجتماعات وافتتاحيَّات حكر على الرجال، بل وأصبحت هذه الأقسام الخاصة بالرجال معتمدة اعتمادًا كاملًا على قدراتها؛ فعندما بدأت آلات الحاسوب تستبدل تلك البشريَّة، طُلب من كاثرين أن تتحقق من دقتها.

وُلِدت كاثرين جونسون في 26 آب عام 1918، لأم معلِّمة وأب مزارع، كانت كاثرين موهوبة في الرياضيَّات منذ صغرها وكانت مستعدة لدخول المدرسة الثانويَّة وهي في العاشرة ولكن لأن الأطفال الأمريكيين من أصل أفريقي كانوا ممنوعين من دخول المدارس الثانويَّة في حينها، اضطرت أسرتها لأن تنتقل حتى تدخل كارين المدرسة، لتتخرج من مدرسة ولاية فرجينيا الغربيَّة الثانويَّة بعد أربع سنوات وتدخل جامعة ولاية فرجينيا الغربيَّة وهي في الخامسة عشرة وتخرَّجت بشهادتي بكالوريوس في الرياضيات واللغة الفرنسيَّة.

وتقول كاثرين هنا عن طفولتها: “قالوا لي بأني كنت أعد كل شيء؛ فقد كانت العائلة تدرس على طاولة واحدة وعندما كنت أنتهي كنت أساعد الآخرين في حل واجباتهم، وقد كنت أصغرهم! ثم سُرَّعت في الدراسة لصفين ربما أعلى من أخي… فأنا لا أذكر بالتحديد، ودخلت الجامعة وأنا في الخامسة عشرة؛ كنت سأصبح معلمة رياضيات لأن هذا كل ما كان موجودًا؛ لم يكن باستطاعتك أن تكوني سوى معلمة أو ممرضة…”

كاثرين جونسون

كان الدكتور دبليو. دبليو سكيفلن كلايتور دكتور الرياضيات في الجامعة هو أول من لاحظ موهبة كاثرين وشجعها على أخذ دروس متقدِّمة أكثر في الرياضيات، بل وأنشأ مساقًا كاملًا في الهندسة التحليليَّة فقط من أجلها، وهي الهندسة التي تدرس الأشكال باستخدام الإحداثيَّات، ثم تخرَّجت كاثرين في الثامنة عشرة لتلتحق بعد تخرجها بجامعة غرب فرجينيا لتكمل دراساتها العليا وكانت من أول النساء الأمريكيات من أصل أفريقي اللواتي فعلن ذلك، ولكن تشخيص زوجها بالسرطان منعها من إنهائها فبدأت تعمل كمعلمة في المدارس الابتدائيِّة والثانويَّة.

“قال لي [تعني الدكتور كلايتور] أنني سأكون عالمة رياضيَّات تحليليَّة جيِّدة، فقلت له: ماذا يفعلون؟

أجاب: “ستكتشفين ذلك” ، ثم جعلني آخذ كل المساقات في الكُتيِّب! حتى أنني أحيانًا كنت أكون الوحيدة في الصف.

ثم سألته: “ماذا سأعمل؟”

قال لي: “ستبحثين حتى تجدينه.”

أخذ مني الأمر سبع سنين، ولكنني وجدته.

بعد سبعة أعوام من العمل كمُدرِّسة قررت كاثرين أن تتخذ من الرياضيات عملًا، وفي اجتماع للعائلة ذكر أحدهم أمامها أن ناسا كانت تبحث عن أشخاص لتوظفهم، وبدأت العمل لديهم عام 1953؛ عملت في البداية  مع نساء كن يعملن على معادلات رياضيَّة وكن يُطلق عليهن لقب “حواسيب ترتدي تنانير”، ثم كان عليها يومًا ما أن تساعد بشكل مؤقت فريق بحوث الطيران الذي كان يتكون من رجال وحسب، وقد أبهرت زملائها ورؤساءها حتى أنهم “نسوا أن يعيدوني إلى بركة النساء”، على حد تعبيرها، ومع أن الحدود العرقيَّة والجنسيَّة كانت لا تزال موجودة إلا أن كاثرين تقول أنها تجاهلتها، وقالت أنها كانت تطلب أن تكون جزءًا من الاجتماعات التي كانت فقط للرجال، فقد كانت ببساطة تقول أنها قامت بالعمل لذا فهي تنتمي هناك.

“كان لديهم بركة من النساء الرياضيَّات، فقد أرادوا أحدًا ليقوم بكل الأمور الصغيرة بينما قاموا هم بالتفكير،” تقول كاثرين بابتسامة، “كنا نُلقَّب بـ”الحواسيب” أو “النساء الحاسبات” وكنت قد بقيت هناك لأقل من أسبوع عندما دخل علينا مهندس وأراد امرأتين حاسبتين، فأرسلتني السيدة فون لقسم الطيران، ولم نعد أبدًا بعد ذلك.”

 عملت كاثرين من عام 1953 لعام 1958 كحاسوب بشري ثم من 1958 حتى تقاعدها في عام 1983 كأخصائيَّة تكنولوجيا طيران، وقامت بالحسابات البُعديَّة لمهمة الان شيبارد الفضائيَّة؛ أول أمريكي في الفضاء في عام 1959.

كان من المفترض أن تكون مهمة شيبارد بسيطة؛ كان على كبسولته أن تصعد وتنزل ببساطة كقوس ولكن الكثير من الرياضيات المعقدة كانت مطلوبة، فقد تم إعطاء كاثرين أين كان على شيبارد أن يهبط وكان عليها أن تعمل للوراء من هناك، آخذةً في حسابها أشياء مثل الارتفاع الذي أرادوا الكبسولة أن تصله وظروف التوقف؛ أي سرعة وموقع الصاروخ عندما ينتهي وقوده ويدخل مرحلة الهبوط الحر عائدًا إلى الأرض.

منحنى مهمَّة ألان شيبارد والتي عملت عليه كاثرين عام 1959 لإيصاله إلى المدار ثم إعادته

عام 1969 قامت كاثرين بحسابات رحلة أبوللو 11، أول مهمة بشريَّة على القمر، وقد كانت هذه المهمة تحمل نوعًا آخر تمامًا من الصعوبة؛ فلم يكن هدف حسابات كاثرين هنا نقطة ثابتة على الأرض بل القمر المُتحرِّك، وليس لتصطدم به المركبة بل لتهبط عليه بسلاسة بعيدًا عن أي جرف أو فوَّهة على سطحه، لذلك كان على الصاروخ أن يغادر الأرض بـ”نافذة إطلاق” مُحدَّدة؛ أي في وقت يكون فيه القمر في طريق الصاروخ تمامًا، وكان عليها أن تأخذ بالحسبان جاذبيَّة القمر وتخطط لأن ينحرف الصاروخ بسببها، وتقول عن ذلك:

“كانوا ينادون مجموعة من المهندسين ثم يقومون باجتماع ليشرحوا ما سيقومون بفعله،” تقول كاثرين عن اجتماعات مهمة أبوللو 11، “فسألت: هل أستطيع الحضور؟ فأجابوني: لا تحضر النساء هذه الاجتماعات. فقلت: هل هناك قانون يمنع ذلك؟ وأجابوا: لا، سنسمح لها بذلك. كنت أريد أن أعرف عما كانوا يبحثون فانتهى بي الأمر بفعل ما كانوا يبحثون عنه.”

“كان مكتبنا يحسب كل مهمة كانت تحصل في ذلك الوقت؛ كنا نحسب الارتفاع والسرعة وكل ذلك، حيث أصبح كل شيء يبدو كمشكلة هندسيَّة وحسب، وكان أكبر مصدر للفخر لدي مهمة أبوللو؛ كانوا ذاهبين إلى القمر وحسبت أنا لهم الطريق الذي أخذهم إلى هناك! حددوا هم أين كانوا على الأرض عند البدء وأين كان سيصبح القمر عندما يصلون، ونحن حددنا سرعتهم وكنَّا من أخبرهم أن القمر سيكون هناك عندما يصلون، ولكننا كنا قلقين جدًّا حول متى سيغادرون القمر عائدين إلينا، كان عليهم أن يفعلوا ما كنا نقول لهم أن يفعلوا، فإذا فاتهم شيء بدرجة واحدة لم يكن ليكون باستطاعتهم العودة للمدار،” وتضيف كاثرين ضاحكة:” كنت أنظر إلى التلفاز وأقول: يا إلهي، آمل ألا يُفوِّت ذلك! [تقصد الطيَّار] بينما كنت أجلس آملةً ألا أكون أخطأت أيضًا.”

 وعملت كاثرين أيضًا على مهمة أبوللو 13، وعندما استخدمت ناسا الحواسيب لأول مرة أصر رائد الفضاء جون غلين [أول رجل أمريكي في المدار]على أن يستعينوا بها للتأكد من أرقام الحواسيب، فقد كانت قدراتها ودقتها السبب الذي سمح لهم بالوثوق بالنظام الجديد.

وتقول كاثرين عن ذلك: “قال جون غلين: قولوا لها [عن الحواسيب الجديدة]، فقد كان يعلم أنني المرأة الوحيدة التي عملت على هذا، وقال: إذا خرجت نفس الأرقام التي أنتجتها [الآلات] مع كاثرين، إذن فالحواسيب مُصيبة.

أخذ مني الأمر يومًا ونصف لأحسب ما أعطته الحواسيب، وكانت نفس الأرقام التي خرجت معهم.”

حتى عام 1986 كانت كاثرين قد ساهمت في تأليف 26 ورقة علميَّة، ومع أنها لم تعد تحسب الارتفاعات أو ظروف التوقف أو نوافذ الإطلاق إلا أنها لم تتوقف عن العد؛ فقد كان السادس والعشرين الماضي من شهر آب هو يوم ميلادها السابع والتسعين! وتختم كاثرين بقولها عن عملها: “كان عملي وقد قمت بعملي بشكل جيِّد وصحيح.”

مقابلة كاثرين جونسون مع موقع مايكرز: http://www.makers.com/katherine-g-johnson

Advertisements

Share your thoughts

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s