هل يُعتبر الجمال شرا ؟

هل يُعتبر الجمال شرا ؟  

“أخواتي، أرجوكم لا تضعوا الحلي و مواد التجميل مع الحجاب أو النقاب لأن هذا يتعارض مع غايتهما ”

اليوم أصبح سماع هذه الجملة أمرا صادما لي ، و ليسامحني الله أنني في يوم من الأيام كنت أفكر بهذه الطريقة و علمتها لغيري. و إني أقلق حقا على الفتيات البسيطات اللواتي اعتنقن الإسلام حديثا و تم تعليمهن أن التقوى تعني ألا يظهرن بمظهر جميل و لائق في الأماكن العامة تبعا لتقييم رجال لا يبذلون أي جهد لغض أبصارهم متجاهلين ما اذا كن عرفن أم لم يعرفن ما أراده الله من الحجاب.

يقول الله تعالى:

“‏‏قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ “سورة النور الآية 30

 إذا فالله سبحانه و تعالى يعادل النقاء الروحي و الصلاح مع عمل الرجال أنفسهم و خياراتهم.لكن النساء المسلمات اليوم يتم تعليمهن بطريقة تصل حد القرف أن افعالهن و خياراتهن هي المسؤولة عن نقاء الرجل و صلاحه خصوصا في إطار الحديث عن الحجاب. لكن الله تعالى يطمئننا أنه مطلّع على أفعال الرجال، و مما يثير اهتمامي استخدامه للفظ “يصنعون”.  و كلما قرأت هذه الآية أسقطتها على ما يتعلمه النساء اليوم و أقول في نفسي

أن الله مطلع خير اطلاع على ما يصنعه الناس اليوم باسم عفة الرجل و نقائه.

“وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها”سورة النور الآية 31

على الرغم من أن الله تعالى يقول أن هناك استثناء لما يجب تغطيته من زينة، إلا أن الرسالة التي يتم إيصالها إلى النساء المسلمات أنه لا يوجد أي استثناء. و من هذا المنطلق تُعلم النساء أن اظهار أي جزء من زينتهن لغير محارمهن هو خطيئة بما تتضمنه هذه الزينة من كحل ومكياج أو مجوهرات أو حناء. عادة هذا الفهم ناتج عن التفسير الحرفي المتشدد  لكلمة زينة و مقطع “ما ظهر منها”، و واستناداً  إلى قواعد اللغة العربية حيث يعتبر أن الاستثناء يشمل فقط ما يظهر من زينة المرأة دون إرادة منها كحالة أن يهب هواء ما فتظهر بعض زينتها الخفية أو تفاصيل جسدها أو جزء من قدمها، أو حينما يعرف المارة فكرة سطحية عن حجمها و طولها بناء على ما ينسدل عليها من ملابس.

أي بمعنى آخر لا يوجد هناك أي استثناء.

ظل هذا المعتقد إلى أن قرأت كتب و قصص تتحدث في تفاصيل و حقيقة حياة الصحابيات والنساء في العصور السابقة، و أدركت ان هذا التفسير ليس صحيحا في المطلق. وعلى الرغم من أن بعض الروايات قد تؤيد هذا التفسير –و هي عادة ما يتم استخدامها لدعمه- إلا أنه حقيقة هناك زينة كالكحل و الحناء و الخواتم لم يتم اخفاءها من قبل النساء  في الحياة العامة.

هل  تتعارض مع الغاية اذا ؟

عندما أسمع ان الحناء و مساحيق التجميل و المجوهرات تتعارض مع غاية الحجاب و هدفه، أفكر في سؤال واحد : ما هي غاية الحجاب في البداية ؟

هل هي أن نستجيب لما شرعه الله و نبقى في اطار حدوده أم أن نظهر دائما بمظهر بشع، غير لائق أمام غير المحارم؟

بالنسبة لي أؤمن ان الإجابة هي الأولى، لكن غيري من النساء يؤمننّ  بعد أن تعلمن ذلك أن الله يريدهن بمظهر بشع غير لائق، و قد يصل هذا الإيمان إلى درجة الاعتقاد بأنه لا يسمح للمرأة بارتداء شيء خارج البيت سوى قطعة سوداء واحدة تغطيها من أعلى إلى أسفل جسدها.

ما أفهمه عن حدود الله أننا نغطي أجسادنا لاجلنا نحن، لا لأجل الرجال، و أنه ما يسمح لنا من زينة هو ما يظهر عادة على ما يسمح لنا اظهاره من جسدنا. أي بكلمات أخرى إن كنت تعتقدين أن غطاء الوجه واجب ، ما يظهر على عيونك من زينة اعتيادية هو ما يسمح لك باظهاره،  و إن كنت تعتقدين بأنه ليس عليك ان تغطي وجهك كذلك ما يظهر على وجهك و كفيك عادة من زينة هو ما يسمح لك باظهاره في الحياة العامة.

هذا ما أفهمه من قراءتي للقرآن و الأحاديث و حياة الصحابيات و في اطار فهمي الكلي للنص الإلهي لا بطريقة مجتزئة للأحاديث و القصص العشوائية  “لاثبات” وجهة نظرهم فيما يجب أن تقوم به كل النساء بكل الحالات والظروف .

و الله أعلم..

 

” و لكن ليس عليك أن تتعمدي التزين “

أنا طبعا اتفق مع الرأي القائل بأن النساء و الرجال على حد سواء ليس عليهم أن يبالغوا في تزينهم ضاربين بعرض الحائط أوامر الله في العفة و التواضع و الاحتشام –و التي تنطبق على الرجال كذلك- و لا يجب على كلاهما أن يتخطوا هذه الحدود.

إلا أنه من دراستي للقرآن و التاريخ الاسلامي تعلمت انها ليست وظيفتي لأحكم تعمد احدهم تخطي الحدود من عدمه،عدا نفسي. النية هي أمر قلبي و انه لمن المستحيل الحكم على أي أحد غير نفسك. لذلك اخترت أن اركز على روحي و أدعو الله أن يغفر زلاتي و اخطائي و يرحمني.

 

دعوني و شأني ..

هذا ما تشعر به النساء أمام أي نصيحة أخرى ،و التي تحمل في طياتها تحرشا مغطى باطار النصح بما يخص الجمال الذي يراه الرجل فيها و عدم خضوع حجابها للمعايير الصحيحة له. إن كل ما تشعر به حينها قلبها صارخا : دعني وشأني.

قلت لصديقتي يوما مازحة : “أشعر بالإطراء لم أكن اعرف أنني بهذا القدر من الجاذبية”، و كان ذلك في فترة كنت ألبس فيها عباءة الرأس و قام احدهم هو و زوجته بنصحي أنني يجب أن أغطي عيناي مبررا ذلك بأن جملا لو غطى جسده و اظهر عيناه سيبدو جميلا ! هذا تماما ما قاله لي. يبدو أن أعين الحيوانات كذلك تثير الرجال جنسيا!

هل يعتبر الجمال شرا؟

قال صلى الله عليه و سلم :” إن الله جميل يحب الجمال”

برأي الشخصي لا اعتبر الجمال أمرا شريرا على الرغم من أنني عُلمت ذلك ليس بهذه الحرفية لكن هذه الرسالة غير المبهمة التي وصلتني من تعاليمهم.

إن كنت جميلة فأنت على خطيئة، حتى و إن كنت في كامل حجابك، هذا هو الدرس المُتَعلم في حلقات دينية كثيرة. بالإصافة إلى ذلك نقاش شر الجمال لايتوقف هنا، بل على المراة ألا تتحدث امام الرجال لان صوتها قد يثيرهم و ألا تظهر امام الرجال لان مظهرها كذلك قد يثيرهم و في ثقافات أخرى لا يجب أن تُذكر المرأة أمام الرجال لأنهم قد يتخيلوها و تثيرهم!

الرجال يفقدون رجولتهم و احترامهم

عندما تصبح اثارة الرجل جنسيا متعلقة بشكل تام بلباس المرأة و خصوصا عندما نتحدث عن امرأة محتشمة، تفقد كثير من النساء احترامهن للرجال في قلوبهن.

عندما تم تعليمنا كنساء مسلمات أن الرجل هو قائد في الحياة الخاصة و العامة هذا لا يتوافق مع فكرة الرجل غير القادر على السيطرة على غرائزه.

على الرغم من أنه من الطبيعي جدا أن ينجذب الانسان للجنس الآخر و ربما يثار لأسباب غير معروفة إلا أنك ما زلت تسمع من الوعاظ و الدعاة من يأمرك  و بكل جدية بتغيير طريقة لباسك بسبب فكرة في قلب أو عقل احدهم. عن نفسي لا يمكن أن اتخيل ان أبدأ بسرد انجذابي للرجال و من ثم اطالبهم بتغيير طريقة لباسهم و التوقف عن التعطر و الحديث و الغناء لاني حلمت فيهم البارحة.

على الرغم من انني أمزح في المثال السابق، لكنني في كامل جديتي عندما أقول أنه من غير المنطقي اعتبار أن أفعال الشخص تعتمد على أفعال المقابل و كأنه لا يملك أي ارادة.

في العالم الحقيقي الذي نعيش فيه، سيكون هناك دائما تنوع لدى الناس، لن نكون جميعا مسلمين و حتى المسلمون أنفسهم، لن يبذل الجميع أبسط جهد للحفاظ على الحشمة و التواضع أو الانصياع لأوامر الله. لكن في النهاية على الرجل ان يبقى رجلا و عليه ان يقود.

و بغض النظر عما يفعله و يلبسه الآخرون، إن لم يستطع الرجال تحمل مسؤولية رجولتهم فعليهم إعادة تقييم قلوبهم و سلوكهم امام الله لا القاء اللوم على لباس النساء و سلوكهم.

الجمال الروحي هو التمكين و النور الحقيقي

اذا كنت سأقدم نصيحة لاي مسلم جديد فستكون : وحد الله و ابتعد عن الشرك و تعلم اساسيات دينك من أركان إيمان و الإسلام، أقم صلاواتك الخمس و اقرأ القرآن لتبقى المفاهيم الروحية مرتبطة بحياتك اليومية و انطلق بعدها إلى حياتك.

اذا وجدت صديق أو اثنين مسلمين و مسجد متوازنين غير طائفيين لتتعلم القرآن و أساسيات أخرى تمسك بهم و لا نحاول خنق نفسك بمحاولة أن تكون مسلم مثالي، هذا هو الإيمان الحقيقي، أن تطلب من الله دائما العفو و الرحمة لا أن تتجنب الأخطاء و الذنوب تماما.

كإمرة مسلمة محجبة عُلمت يوما ان جسدها ملك للرجال،

ادركت أخيرا أن روحي و جسدي هما ملك لي و لخالقي وأن غطائي هو لابراز جمالي الروحي لخالقي لا لتقليل جمالي الجسدي أمام الرجال.

عن نفسي شعرت بالقوة الروحية و النور بعد سنوات من محاولتي فعل ما هو صحيح باعتقاد الناس وفي النهاية وأخيرا اعتنقت تعريف الله للاسلام: أن تسعى دائما للخضوع لله و طاعته على الرغم من ضعفك الانساني الحتمي، و هذا بالنسبة لي هو الجمال الحقيقي و نقيد الشر.

 

لا، لا أملك إجابة لكل شيء، و ما زلت أسأل نفسي دائما: هل أنا على صواب؟. لكنني مرتاحة مع ذلك ، لأن وظيفتنا كمؤمنين هي ان نبقى على طريق الصواب لا ان نفعل الصواب دائما. و نحن نبقى على الطريق الصحيح بمناجاتنا لله و صلاتنا و دعائنا له، و باستخارتنا له في كل النقاط الفاصلة في حياتنا حتى على الجانب الروحي منها.

عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة”.

وبالنسبة لي، وعد الثواب من خلال البساطة في الدين و اقامة الصلاة ، والسعي الصادق هو الجمال الكلي والمطلق. وهذه المعرفة وحدها هي واحدة من الأمور الأكثر جمالا و تحريرا في هذا العالم.

 

 

المقالة الأصلية : http://www.ummzakiyyah.com/is-beauty-evil/

ترجمة : أسيل زغول

Advertisements